حين قادني عالم الأزياء إلى الأحمر

 


مقالات - رباب عبدالمحسن 

لم أكن ألاحظ الأمر في البداية، لكن منذ أن بدأت أتجه إلى تصميم الأزياء، وتحديداً تصميم العبايات، بدأت لوحة ألواني تتغير بطريقة تلقائية.

كنت سابقاً أميل إلى ألوان مختلفة ومتنوعة، لكن مع الوقت وجدت نفسي أعود دائماً إلى درجات معينة؛ الأبيض، العاجي، البيج الفاتح، ثم اللون الذي لا يتوقف عن لفت انتباهي… الأحمر، والعنابي بشكل خاص.

في البداية اعتقدت أنها مجرد مصادفة أو مرحلة مؤقتة، لكن كلما تعمقت أكثر في عالم الأقمشة والتصميم والهوية البصرية، أدركت أن الألوان التي ننجذب إليها غالباً تقول شيئاً عن المرحلة التي نعيشها.

لماذا الأحمر؟

الأحمر ليس لوناً عادياً في عالم الأزياء.

إنه لون يحمل حضوراً واضحاً حتى عندما يكون جزءاً صغيراً من التصميم. لا يحتاج إلى الكثير من التفاصيل ليُرى، ولا يحتاج إلى شرح ليُشعر من حوله بوجوده.

لكن الملفت أن انجذابي لم يكن للأحمر الصارخ بقدر ما كان للعنابي والأحمر العميق.

وهنا يكمن الفرق.

فالعنابي يجمع بين القوة والهدوء.
بين الجرأة والنضج.
بين الأنوثة والحضور.

هو لون لا يصرخ ليُلاحظ، بل يفرض نفسه بهدوء.

ماذا يمكن أن يعكس هذا الانجذاب؟

في كثير من مدارس تحليل الألوان والذوق البصري، يربط المختصون بين الألوان التي نكرر اختيارها وبين ما نبحث عنه أو نعبّر عنه في تلك المرحلة.

والعنابي تحديداً يرتبط غالباً بـ:

  • الثقة المتزنة.
  • النضج في اتخاذ القرار.
  • الذوق الكلاسيكي مع لمسة فخامة.
  • الرغبة في التميز دون مبالغة.
  • قوة الحضور الهادئ.

وربما لهذا السبب نجده كثيراً في الأزياء الراقية والتصاميم التي تعيش لسنوات دون أن تفقد قيمتها.

بين الفاتح والعنابي

المثير للاهتمام أن اختياراتي أصبحت تدور بين طرفين متناقضين ظاهرياً.

الألوان الفاتحة تمنح إحساساً بالنقاء والبساطة والهدوء.

أما الأحمر والعنابي فيحملان العمق والدفء والشخصية.

ومع ذلك، فإن الجمع بينهما ليس تناقضاً كما يبدو.

بل هو توازن.

وكأن العين تبحث عن مساحة من النور، وفي الوقت نفسه تبحث عن لون يترك أثراً.

حين يصبح اللون جزءاً من الهوية

كلما دخلت أكثر إلى عالم تصميم العبايات، بدأت أفهم أن المصمم لا يختار ألوانه فقط، بل ألوانه هي التي تبدأ باختياره.

تتكرر الدرجات التي تشبهه، ويعود إليها دون وعي.

ربما لهذا السبب أصبحت ألاحظ الأحمر والعنابي في الأقمشة، وفي تفاصيل الرسومات، وحتى في الأفكار التي تستوقفني.

ليس لأنهما مجرد لونين جميلين، بل لأنهما ينسجمان مع المرحلة التي أعيشها الآن؛ مرحلة تجمع بين الهدوء الذي تمنحه الخبرة، والحضور الذي يمنحه الشغف.

في النهاية

أصبحت أؤمن أن اللون ليس مجرد قرار جمالي.

أحياناً يكون مرآة صامتة لما بداخلنا.

ولعل انجذابي المستمر إلى الأحمر والعنابي ليس حباً للون فحسب، بل انجذاب إلى ما يمثله من عمق، ودفء، وثقة، وحضور.

فبعض الألوان لا نرتديها فقط…

بل تشبهنا.




تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

من الجرافيك إلى الأزياء: انتقال لم يكن صدفة

ما تعتاده عين الطفل… يصبح جزءاً منه